أوروبا تبحث استقلالها الدفاعي بعد عودة ترمب

شارك

تسارعت داخل أوروبا مراجعات إستراتيجية عميقة أعادت طرح سؤال طال تأجيله لعقود، يتعلق بقدرة القارة على ضمان أمنها بعيدا عن المظلة العسكرية الأمريكية، في ظل تحولات سياسية في واشنطن وتنامي الشكوك بشأن استدامة الالتزامات عبر الأطلسي.

أعاد فوز دونالد ترمب إلى البيت الأبيض إحياء نقاش أوروبي كان يُدار بهدوء داخل غرف القرار، لكنه تحوّل إلى سجال علني عقب تصريحات ومواقف فسّرها قادة أوروبيون باعتبارها مؤشرا على إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية، لا سيما في ما يتصل بحلفائها التقليديين. وزادت الدعوات التي أطلقها ترمب بشأن ضم غرينلاند منسوب القلق، إذ رأت فيها عواصم أوروبية إشارة إلى مقاربة جيوسياسية أكثر براغماتية قد تضع المصالح الأمريكية فوق اعتبارات الشراكة التاريخية.

مؤتمر ميونيخ ونقطة التحول

كرّس مؤتمر مؤتمر ميونيخ للأمن في دورته الثانية والستين هذا التحول، إذ تصدّر مستقبل الأمن الأوروبي جدول الأعمال، في ظل تزايد الشكوك بشأن موثوقية التعهدات الأمريكية طويلة الأمد. وأقرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأن القارة “تجاوزت خطوطا لا يمكن التراجع عنها”، في توصيف يعكس انتقال النقاش من تحسين الشراكة الدفاعية مع واشنطن إلى التفكير في بدائل إستراتيجية.

شهدت العلاقات عبر الأطلسي فتورا خلال العام الماضي، غير أن طرح مسألة غرينلاند عمّق المخاوف من تحوّل أولويات الولايات المتحدة إلى عامل ضغط مباشر على أمن أوروبا ومستقبل التزاماتها داخل حلف شمال الأطلسي. في المقابل، حاول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو احتواء المخاوف، مؤكدا رغبة بلاده في مواصلة التعاون، وإن تجنّب الخوض في ملفات خلافية مثل الحرب الروسية على أوكرانيا أو مستقبل الحلف.

ركيزة أوروبية داخل الناتو

مع اقتراب الحرب في أوكرانيا من عامها الخامس، وتصاعد تحذيرات دول أوروبا الشرقية من تهديد روسي متنامٍ، تعهّد المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بتعزيز ما وصفوه بـ“ركيزة أوروبية” أقوى داخل الناتو، بما يمكّن القارة من تحمّل نصيب أكبر من أعباء الدفاع.

وكشف ميرتس عن بدء محادثات مع ماكرون لبحث إمكانية بلورة رادع نووي أوروبي، في ضوء امتلاك فرنسا القوة النووية المستقلة الوحيدة داخل الاتحاد الأوروبي، بينما تعتمد بريطانيا على منظومة “ترايدنت” ذات الارتباط الصناعي والتقني بالولايات المتحدة. يعكس هذا الطرح تحولا نوعيا في التفكير الدفاعي الأوروبي، إذ يلامس أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الردع الأطلسي.

بين زيادة الإنفاق وتعثر المشاريع

عمليا، رفعت دول أوروبية عدة موازناتها الدفاعية استجابة للضغوط الأمنية والرسائل الأمريكية المتكررة بشأن تقاسم الأعباء. واتفق أعضاء الناتو العام الماضي على رفع الحد الأدنى للإنفاق الدفاعي من 2% إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مع تخصيص نسبة إضافية للاستثمارات الأمنية الأخرى. وأكدت فون دير لاين أن الإنفاق الدفاعي الأوروبي ارتفع بنحو 80% مقارنة بالفترة التي سبقت اندلاع الحرب في أوكرانيا.

كما وقّع وزراء دفاع فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا والسويد خطاب نيات لتعزيز مشروع “النهج الأوروبي للضربات البعيدة المدى”، بهدف تطوير صواريخ قادرة على تنفيذ ضربات عميقة. في المقابل، لا تزال مشاريع كبرى مثل برنامج المقاتلة المشتركة بين فرنسا وألمانيا وإسبانيا (إف سي إيه إس) تواجه تعثرات بسبب خلافات صناعية تتعلق بتوزيع الأدوار والحصص بين الشركات.

ويواكب هذا الجدل انقسام داخل الاتحاد الأوروبي بشأن تمويل الصناعات الدفاعية، إذ تدفع باريس نحو حصر العقود داخل التكتل تحت شعار “اشترِ الأوروبي”، بينما تفضّل برلين ولاهاي مقاربة أكثر انفتاحا تتيح مشاركة شركات من خارج الاتحاد، بما يوازن بين الاعتبارات الإستراتيجية ومتطلبات السوق.

مبادرة الاستقلال الإستراتيجي

أطلقت المفوضية الأوروبية مبادرة لبناء صناعة دفاعية أوروبية مستقلة خلال العقد المقبل، تشمل تعبئة تمويل يصل إلى تريليون دولار، وإنشاء صندوق دفاع أوروبي مشترك، وإصدار سندات دفاعية بقيمة 150 مليار يورو، إلى جانب تنسيق جماعي لتطوير القدرات التكنولوجية والبنية الصناعية. تستهدف هذه الخطة تقليص الاعتماد على السلاح المستورد وتعزيز الإنتاج المحلي، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام شراكات صناعية مع شركاء دوليين.

في السياق ذاته، قدّم مسؤولون عسكريون أوروبيون ما وصفوه بحجة أخلاقية لإعادة التسلح، معتبرين أن تعزيز القوة الدفاعية يشكل شرطا لحماية السلام وردع العدوان، لا تمهيدا للحرب. غير أن الأمين العام للناتو مارك روته حسم موقفه بالقول إن أوروبا لا تستطيع الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، في إشارة إلى استمرار الاعتماد البنيوي على القدرات الأمريكية، خاصة في مجالات الاستخبارات والردع النووي والنقل الإستراتيجي.

بين هذا الطرح وذاك، تقف أوروبا عند مفترق إستراتيجي حاسم، إما تحويل القلق من تقلب السياسات الأمريكية إلى فرصة لبناء استقلال دفاعي فعلي، أو الاكتفاء بخطاب سياسي قد يتبدد مع أول اختبار أمني كبير.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً