هل بريطانيا العظمى في الطريق إلى بريطانيا الصغرى؟

 لندن – يورو عربي| نشر الخبير في مجال الدّراسات المستقبليّة في العلوم السياسيّة وليد عبد الحي مقالًا يحمل عنوان:”هل بريطانيا العظمى في الطريق إلى بريطانيا الصغرى؟”.

ويتساءل: “هل المكونات التاريخية من الثقافات الفرعية التي شكلت ما يسمى بريطانيا العظمى منذ 927 ميلادي بدأت تعيد النظر في انتمائها”.

وقال: “لتنتقل من بريطانيا الى أوروبا الكبرى لتعود بريطانيا لحجمها الطبيعي كما عادت روسيا؟”.

وفيما يلي نص المقال كاملًا:

أزعم بداية ان العولمة ( تماهي الحدود السياسية والاقتصادية والثقافية عبر الترابط التقني والاقتصادي والثقافي) خلق ردات فعل حادة لدى الثقافات الفرعية التي بدأت تشعر بتحويل تدريجي لها إلى تراث باهت يتوارى خطوة خطوة.

ويبدو أن الضعف الاقتصادي في بعض المجتمعات بسبب اتساع منحنى لورينز داخل المجتمعات وبين بعضها فتحَ الباب لترتيب عالمي جديد ما زال مموها بدرجة كبيرة.

وعند النظر في التاريخ البريطاني – كحالة للتأمل- سنجد أن هذه الدولة الأعرق في الرأسمالية والتي كانت حتى نهاية الحرب العالمية الأولى تسيطر على 22% من مساحة الكرة الارضية وعلى 20% من سكان العالم، وعلى 18% من الانتاج الصناعي العالمي بدأت في التراجع التدريجي بظهور قوى دولية عملاقة زحزحتها عن موقعها ، واصبحت تحتل المرتبة السادسة في اجمالي الناتج المحلي والمرتبة الخامسة في مؤشر التطور التقني وبراءات الاختراع…الخ.

لكن الخطورة لبريطانيا تتمثل في تداعيات خروجها من الاتحاد الاوروبي، والذي نكأ جرحا عميقا في التاريخ البريطاني،فرحلة انشاء المملكة المتحدة بدأت مع  الملك أثيلستان الذي  وحد القبائل الفايكنجية والانجلوسكسونية لانشاء الممكة الانجليزية عام 927، بعدها ب 608 سنوات تم ضم ويلز وفرضت اللغة الانجليزية وتم تهميش اللغة الويلزية  ، وبعدها ب 172 سنة تمت الوحدة الرسمية مع اسكوتلندا، لحقتها بعد 94 سنة ايرلندا  لكن  وبعد ذلك ب 120 سنة وبعد حرب قصيرة عام  1921 تم  تقسيم ايرلندا وانضم جزء منها الى المملكة المتحدة، بينما اصبح الجزء الآخر هو ايرلندا الجنوبية.

في المرحلة الحالية انتقل “فيروس الانفصال” الى جسد المملكة المتحدة بشكل خاص والى الدول الاوروبية في الاتحاد بشكل عام، فهناك الآن 13 حركة انفصالية في الدول الاوروبية عدا عن بريطانيا( الباسك في اسبانيا، الكورسيكيون في فرنسا، عصبة الشمال في ايطاليا…الخ)، لكن قرار بريطانيا بالخروج من الاتحاد ولأسباب اقتصادية بشكل رئيسي وبتغذية وتحريض انجليكاني امريكي تحديدا جعل احتمالات تفكك المملكة المتحدة أمرا موضع مناقشات بين القوى السياسية البريطانية وفي الاوساط الاكاديمية  بشكل واضح.

وأحيت موجات المهاجرين خلال العشرية الماضية من الشرق الاوسط وافريقيا وآسيا نوعا من الحساسيات القومية وهو ما يساهم في تفسير تنامي اليمين الجديد بين القوى السياسية الأوروبية، وامتدت ظلال ذلك الى القوى المحلية في بريطانيا بخاصة في ايرلندا واسكوتلندا بل وحتى في بعض شرائح المجتمع الويلزي.

من جانب آخر، فان مراقبة الوضع الجيوسياسي للمكونات البريطانية تشير الى ان نزعة الانفصال مرتبطة بالموقع الجغرافي للمكون البريطاني بخاصة في الأطراف، فاسكتلندا في اقصى الشمال-وايرلندا الشمالية في بر منفصل عن الدولة الام، بينما الدولة المركز هي انجلترا – اما ويلز فتم تسلل التيار الانفصالي اليها وهي منطقة اطراف كذلك،  وتعزز الامر بفقدان الدعم الاوروبي لها وتنامي النزعة الانفصالية في كل من اسكتلندا وايرلندا .

أما ايرلندا التي كانت حتى عام 1922 مكونة من 32 مقاطعة وانفصل منها بعد الحرب الاهلية 26، أي بنسبة تفوق 82% ، فان أغلب الكاثوليك الايرلنديين يريدون الانفصال والوحدة مع ايرلندا الجنوبية، بينما اغلب البروتستنت يريدون البقاء مع انجلترا، ووصل العنف الى حد محاولة الجيش الجمهوري الايرلندي اغتيال رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر عام 1984، ويبدو أن الحزب الجمهوري الأيرلندي الرئيسي Sinn Féin يرحب بـما يسمونه “الاضطراب الكبير”

الذي قد يفتح المجال امام الوحدة ” الإيرلندية”، فقد عاد تنظيم سري هو ” الحزب الجمهوري الجديد” وهو حزب  منشق عن الحزب الجمهوري الانفصالي  القديم والذي مارس العنف خلال الفترة من نهاية الستينات من القرن الماضي الى نهاية التسعينات، وتجذرت دعوات الانفصال لتصل نسبة مؤيديها الى 62% من سكان شمال ايرلندا نتيجة الضرر الكبير الذي استشعره المزارعون الايرلنديون من قرار البريكسيت،ناهيك عن “وساوس” ايرلندا الجنوبية  بالدعوة للانفصال بخاصة ان دستورها ينص على هدف الوحدة الايرلندية، الى جانب  ان قوة الجذب الايرلندية الجنوبية تزايدت مع تحقيق ايرلندا الجنوبية احد اعلى معدلات النمو الاقتصادي في اوروبا.

وفي اسكتلندا  التي صوتت عام 2014 ضد الانفصال قبل طرح موضوع البريكسيت ، نجد ان نسبة التأييد للانفصال التي يعبر عنها  بشكل واضح الحزب الوطني الاسكوتلندي  بلغت 46% مقابل 43% للبقاء مع المملكة المتحدة، ومغلوم أن القوميين الانجليز يميلون للتخلص من اسكتلندا.

وبينما كانت ويلز هل الاقل تاييدا للانفصال بنسبة 33%، لكن هذه النسبة تشير الى وزن سياسي ليس قليلا لاسيما أذا راقبنا معدل تزايد هذه النسبة مع السنوات السابقة بخاصة التزايد الذي اعقب اقدام مارغريت ثاتشر على اغلاق مناجم الفحم في ويلز في أواسط الثمانينات، الى جانب ارتفاع نسبة الفقر وضآلة معدلات النمو الاقتصادي مقارنة بالمكونات الاوروبية الأخرى.

ولو نظرنا الى نموذج التفكك السوفييتي والتشيكي واليوغسلافي ، فان المركز ( روسيا، التشيك- صربيا) كانت تنطوي على نزوع للتخلص من المكونات الاخرى  بخاصة نتيجة الاحساس بانها عبء على المركز، وفي المملكة المتحدة، فان المركز البريطاني(انجلترا) صوت بمعدل 52% للانفصال عن الاتحاد الاوروبي، وفي استطلاع الرأي في حزب المحافظين البريطاني عام  2019، تم طرح التساؤل التالي:  هل تؤيد الخروج من الاتحاد الاوروبي حتى لو أدى الى انفصال اسكتلندا قال 63%  نعم..ونفس السؤال عن ايرلندا الشمالية ايده 59% ، وهو ما يؤكد  ان الحزب المحافظ البريطاني هو حزب  تتجذر فيه نزعة قومية ودينية مذهبية، ويرى ان  خروج اسكتلندا من المملكة المتحدة سيعزز قوة المحافظين ليبقوا في السلطة.

وطبقا لايقاع التفكك في النماذج المعاصرة ، فان بريطانيا مقدمة على احتمال التفكك خلال الفترة من 2030-2035، وإذا استمر التسارع في الوضع الاقتصادي المتراجع لبريطانيا، فان الفترة قد تسبق ذلك، وهو ما نرجحه اذا أخذنا في الاعتبار ان معدلات النمو الاقتصادي البريطاني خلال الثلاثين سنة الماضية كانت تتباطأ باستمرار، ويكفي النظر في المؤشرات التالية لمعدلات النمو:

1987- 5.4%

1997- 5

2007- 2.4

2017- 1.7

2020- 1.3

أما العجز التجاري فهو بالسالب من عام 2000 الى الآن ، وسأعطي  بعض الامثلة عليها منعا للاطالة:

2010 بلغ العجز التجاري ما يقارب 172 مليار دولار

2016 بلغ العجز 225 مليار دولار

2019 بلغ العجز 222 مليار دولار

إن كل هذه المؤشرات تضع اساسا متينا لطرح تساؤلنا: هل المكونات التاريخية من الثقافات الفرعية التي شكلت ما يسمى بريطانيا العظمى منذ 927 ميلادي بدأت تعيد النظر في انتمائها لتنتقل من بريطانيا الى أوروبا الكبرى لتعود بريطانيا لحجمها الطبيعي كما عادت روسيا ؟ انها قضية نتركها للنقاش.