يصف الطبيب النرويجي مادس فريدريك غيلبرت الموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية، مقارنة بالحرب في أوكرانيا، بأنه «كيل بمكيالين مخزٍ» ويمثل «انهيارا أخلاقيا عميقا»، معتبرا أن ما تشهده غزة يكشف تناقضا صارخا في خطاب القيم وحقوق الإنسان داخل أوروبا.
غيلبرت، المولود عام 1947 في مدينة بورسغرون جنوب النرويج، تخرج في جامعة أوسلو عام 1973، وكرّس أكثر من 43 عاما من حياته للدفاع عن القضية الفلسطينية، منذ عمله الأول في بيروت عام 1982، حيث شهد، وفق وصفه، «وحشية الهجمات الإسرائيلية التي لم تستثن المستشفيات ولا سيارات الإسعاف ولا البنى التحتية الحيوية».
وفي حوار مع الجزيرة نت على هامش مؤتمر «المتضامنون.. معا من أجل الإنسانية» في كوبنهاغن أواخر الشهر الماضي، استعاد الطبيب والأكاديمي والناشط السياسي العالمي تجربته الطويلة في مستشفيات غزة خلال الهجمات الإسرائيلية في أعوام 2006 و2009 و2012 و2014، متحدثا عن استهداف ممنهج للنظام الطبي الفلسطيني، الذي يصفه بأنه من بين الأفضل مهنيا، وعن مقتل أكثر من 1700 من العاملين في القطاع الصحي منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 من دون أي محاسبة دولية.
ويقول غيلبرت بغضب: «تخيلوا لو أن أعداء إسرائيل قتلوا 1700 طبيب وممرض وطالب طب يهودي، ماذا كان سيقول العالم حينها؟ كانت ستقوم ضجة عارمة».
وأشاد بالصحفيين الفلسطينيين والعرب في غزة، ولا سيما مراسلي الجزيرة، مؤكدا أنهم نقلوا إلى العالم صورة جرائم الحرب والإبادة الجماعية رغم استشهاد نحو 250 صحفيا، واصفا إياهم بـ«الأبطال الذين يحملهم في قلبه».
من تطوع صهيوني إلى شاهد على الجرائم
لم تكن بدايات غيلبرت منسجمة مع هذا المسار؛ فقد نشأ في بيئة متعاطفة مع إسرائيل، وتأثر بروايات «الكيبوتس» وتحويل الصحراء إلى جنة مزعومة. وخلال حرب عام 1967 تقدم بطلب تطوع للعمل في الكيبوتسات الإسرائيلية، غير أن حوارا واحدا مع صديقة لأخته غيّر قناعاته، فسحب طلبه وألغى رحلته، وانضم لاحقا إلى اللجنة النرويجية الفلسطينية.
ويتذكر صدمته الأولى في بيروت عام 1982، حين كان ضمن فرق طبية نرويجية دعمت الهلال الأحمر الفلسطيني أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان، قائلا إنه للمرة الأولى رأى «الوحشية الإسرائيلية» كما هي، مضيفا بسخرية مريرة: «كنت أسأل أين اتفاقيات جنيف وأين القانون الدولي؟ وسرعان ما أدركت أنها لا تُطبّق عندما يتعلق الأمر بإسرائيل».
أربعة عقود في مواجهة الإبادة
منذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، زار غيلبرت غزة سنويا للتدريس والعمل البحثي، وعمل في مستشفى الشفاء وغيره خلال الهجمات الإسرائيلية المتكررة، قبل أن تمنعه سلطات الاحتلال من دخول القطاع نهائيا عام 2014، في خطوة يراها محاولة لإسكات شاهد مباشر على الجرائم.
ويؤكد أن النظام الصحي الفلسطيني قادر على إدارة الأزمات دون وصاية خارجية لو توفرت له المقومات الأساسية من ماء وكهرباء وأدوية ومعدات، مشددا على أن الحصار المستمر منذ 18 عاما هو الذي «خنق هذا النظام».
كما يشيد بالعاملين الصحيين الفلسطينيين، واصفا إياهم بأنهم «خبراء عالميون في إدارة الإصابات الجماعية»، نتيجة الخبرة والتدريب والتفاني، قائلا إنهم «لا يغادرون لأن قلوبهم مع شعبهم».
ويعيد التذكير بأن أكثر من 1700 من الكوادر الصحية قُتلوا منذ أكتوبر 2023، مؤكدا أن العالم لم يحاسب إسرائيل على ذلك، ومجددا طرح سؤاله الاستنكاري حول الصمت الدولي.
ازدواجية أوروبية فاضحة
يرى غيلبرت أن أكثر ما يؤلمه هو موقف أوروبا، التي دعمت أوكرانيا سياسيا وعسكريا وفرضت عقوبات واسعة على روسيا خلال أيام، بينما لم تتخذ أي إجراء مماثل تجاه إسرائيل، رغم ما يجري في غزة.
ويصف هذا السلوك بأنه «لسان مشقوق» ومعايير مزدوجة، موضحا أن القانون الدولي الذي يقر بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومة المحتل يُطبّق على أوكرانيا، لكنه يُنكر على الفلسطينيين الذين يُوصمون بالإرهاب.
وفي تعليقه على خطة السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، يصفها غيلبرت بأنها «عبثية وسخيفة»، ويتساءل مستنكرا عن جدوى أن يتولى المسؤولون عن الإبادة إدارة إعادة إعمار غزة وحكمها، معتبرا ذلك شكلا متقدما من الاستعمار والإمبريالية.
الحقيقة كسلاح أخير
ورغم سوداوية المشهد، يرى غيلبرت أملا حقيقيا في حركة التضامن الشعبية العالمية مع فلسطين، مؤكدا أنها الأقوى التي شهدها خلال أكثر من أربعة عقود، ويعزو ذلك إلى انكشاف الحقيقة بالصوت والصورة، ودور الصحفيين في كسر الرواية الرسمية.
ويشدد على أهمية «التضامن القائم على الأدلة»، من خلال التوثيق العلمي والقانوني، وليس الاكتفاء بالشعارات، داعيا كل إنسان لاستخدام صوته وموهبته في دعم القضية.
ويختم غيلبرت بدعوة صريحة إلى فرض عقوبات شاملة، وحظر السلاح، وعزل إسرائيل والولايات المتحدة، لوقف الإبادة الجماعية وإنقاذ ما تبقى من غزة، مؤكدا أن فلسطين ستبقى حرة، وأن الشعوب لا يجب أن تستسلم أمام الاستعمار والظلم.
الرابط المختصر https://arabiceuro.net/?p=30124





