واجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أزمة سياسية حادة عقب خسارة حزب العمال مقعداً تاريخياً في دائرة ‘غورتون ودينتون’ بمدينة مانشستر، وهو المقعد الذي هيمن عليه الحزب لقرابة قرن من الزمان. واعتبرت تقارير صحفية أن هذه الهزيمة تمثل تهديداً مباشراً لمستقبل ستارمر السياسي، خاصة بعد تراجع الحزب إلى المركز الثالث في هذه الانتخابات الفرعية.
وحقق حزب الخضر فوزاً ساحقاً في الدائرة بحصوله على نحو 41% من الأصوات، متفوقاً بفارق كبير على حزب العمال الذي لم يحصد سوى 25%. وجاء حزب ‘إصلاح المملكة المتحدة’ في المرتبة الثانية بنسبة 29%، مما يعكس تحولاً جذرياً في الولاءات السياسية داخل المعاقل التقليدية لليسار البريطاني.
وفي أول رد فعل له، أبدى ستارمر تحدياً واضحاً برفضه فكرة الاستقالة، مؤكداً إدراكه لإحباط الناخبين ورغبتهم في التغيير. ووصف ستارمر حزبي الخضر والإصلاح بأنهما ‘متطرفان’ ويسعيان لتمزيق وحدة البلاد، متعهداً بالاستمرار في منصبه والنضال من أجل ناخبيه رغم ما وصفته المصادر بالهزيمة المذلة.
وأرجعت مصادر سياسية هذا الإخفاق إلى عدة عوامل، أبرزها موقف ستارمر من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والذي أثار غضباً واسعاً بين الناخبين المسلمين. كما ساهم قراره المثير للجدل بمنع آندي بورنهام من الترشح في زيادة حدة الانقسامات الداخلية وتنفير قطاع واسع من المؤيدين التقليديين للحزب.
وأظهر تحليل أجرته مؤسسة ‘إلكترال كالكولاس’ نتائج صادمة، حيث توقعت خسارة رئيس الوزراء وجميع أعضاء حكومته تقريباً لمقاعدهم في حال تكررت هذه النتائج على المستوى الوطني. وأشار التحليل إلى أن حزب العمال قد يتقلص تمثيله إلى 33 مقعداً فقط، بينما قد يقفز حزب الخضر من 5 مقاعد إلى 249 مقعداً.
ولعبت الكتلة التصويتية المسلمة دوراً محورياً في هذه النتائج، حيث تضم دائرة غورتون ودينتون نسبة مرتفعة من السكان المسلمين الذين اتجهوا لدعم حزب الخضر. ويرى مراقبون أن حملة الخضر المؤيدة للحقوق الفلسطينية نجحت في استقطاب الناخبين الذين شعروا بخيبة أمل من سياسات القيادة الحالية لحزب العمال.
وأفادت مصادر داخل حزب العمال بأن هناك حالة من القلق المتزايد بين أعضاء البرلمان على مقاعدهم في الانتخابات المقبلة. وأكد أحد أعضاء مجلس الحزب في الدائرة أن قضية غزة لم تُنسَ ولن يغفر الناخبون للحزب مواقفه السابقة، مشيراً إلى أن الضغوط تتزايد الآن لدفع الحزب نحو تبني سياسات أكثر يسارية.
سأواصل النضال من أجل هؤلاء الناس ما دمت حياً، والأحزاب المتمردة تريد تمزيق بلادنا.
من جانبه، صرح تحالف ‘الصوت المسلم’ البريطاني بأن هذه النتيجة التاريخية تبعث برسالة واضحة مفادها أنه لا يمكن اعتبار أصوات المجتمعات المسلمة مضمونة لأي طرف. وأوضح البيان أن الناخبين اتخذوا خياراً واعياً بمعاقبة حزب العمال الذي خذلهم في قضايا جوهرية تشمل غزة، والاقتصاد، والحريات المدنية.
وشهدت الحملة الانتخابية مشاركة شخصية من ستارمر الذي دعا إلى وحدة الصف، إلا أن جهوده لم تنجح في مواجهة مرشحة حزب الخضر هانا سبينسر. وحصلت سبينسر على دعم علني من الزعيم السابق للعماليين جيريمي كوربين، مما عزز من موقفها أمام الناخبين الناقمين على توجهات القيادة الحالية.
وتأتي هذه النكسة في وقت يسجل فيه حزب الخضر صعوداً متواصلاً منذ تولي زاك بولانسكي قيادته في سبتمبر 2025. ويعكس هذا الصعود رغبة الناخبين في إيجاد بدائل سياسية قادرة على التعبير عن مواقفهم تجاه القضايا الدولية والمحلية التي يتجاهلها الحزبان الكبيران.
ويرى محللون أن المشهد السياسي البريطاني يمر بمرحلة إعادة تشكيل شاملة، حيث بدأت تهتز هيمنة حزبي العمال والمحافظين التاريخية. وتعتبر الانتخابات المحلية المقررة في مايو المقبل محطة مفصلية ستحدد بشكل نهائي قدرة ستارمر على البقاء على رأس الحكومة أو مواجهة تمرد داخلي يطيح به.
وعلى الرغم من محاولات الحكومة التقليل من شأن نتائج الانتخابات الفرعية باعتبارها لا تعكس دائماً التوجهات العامة، إلا أن النموذج الديموغرافي المستخدم في التحليلات الأخيرة يثير رعباً حقيقياً في داونينغ ستريت. فالأرقام تشير إلى أن حزب ‘ريفورم يو كيه’ قد يصبح القوة الأولى في البلاد إذا استمر نزيف الأصوات من الحزبين التقليديين.
وفي سياق متصل، شدد تحالف ‘الصوت المسلم’ على أن ما حدث في غورتون ودينتون ليس حادثاً معزولاً، بل هو بداية لواقع سياسي جديد سيواجهه حزب العمال. وأكد التحالف أن قضايا مثل الإسلاموفوبيا وتدهور الخدمات الصحية الوطنية كانت حاضرة بقوة في أذهان الناخبين بجانب القضية الفلسطينية.
وتختتم التقارير بالإشارة إلى أن الضغوط لا تقتصر على القاعدة الشعبية فحسب، بل تمتد إلى النقابات العمالية التي تطالب ستارمر بالتحرك نحو اليسار. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الكبرى، يجد رئيس الوزراء نفسه محاصراً بين إرث حزبه التاريخي وبين واقع سياسي جديد يرفض التنازل عن المبادئ الإنسانية مقابل الولاء الحزبي.
الرابط المختصر https://arabiceuro.net/?p=30251




