غادرت سفينة “كايت” رصيف “هانوفر كواي” في مدينة بريستول البريطانية متجهة إلى غزة، ضمن مساعي أسطول الحرية لكسر الحصار المفروض على القطاع. وعلى متنها ناشطون ومتضامنون خاض عدد منهم التجربة نفسها من قبل: اعتراض في عرض البحر، ثم احتجاز وتحقيق، وما يصفه بعضهم باعتداءات وسوء معاملة.
وفي حفل الوداع على الرصيف وقف إلى جانب المبحرين متضامنون حالت ظروفهم دون الانضمام إلى الرحلة، بينهم الدكتورة سوي أنغ مؤسِّسة “مساعدات طبية من أجل فلسطين” التي يمنعها مرض السرطان من الإبحار، والممرض لي إيفانز الذي جثا على ركبتيه أمام جنود مصريين خلال “مسيرة الصمود” طالباً السماح له بالعبور، والبروفيسور ديفيد ميلر الذي فُصل من عمله أستاذاً جامعياً قبل أن ينتصر قضائياً في نزاعه مع الجامعة.
ما جرى في الرحلات السابقة
يروي المهندس الأمريكي إدواردو جيليو، المشارك في مهمات سابقة للأسطول، أنه اقتيد إلى ميناء أسدود بعد اعتراض سفينة “الضمير” في خريف 2025، وتعرّض هناك لما وصفه بـ”خمس دقائق من التعذيب” يقول إنها “بدت وكأنها مدى الحياة”، قبل نقله إلى سجن النقب (كتسيعوت) ثم الإفراج عنه وترحيله. ويتحدث كذلك عن اعتداءات يقول إن زملاء له تعرضوا لها داخل الاحتجاز، مؤكداً أن إحدى الناشطات “تعرضت للاغتصاب من قبل حارس سجن إسرائيلي” وأن “ناشطين آخرين تعرضوا لاعتداءات جنسية”.
ويصف البحّار الأيرلندي فياك أوبرولشاين، قائد السفينة، احتجازاً سابقاً انتُزعت خلاله معينات السمع من أذنيه أثناء التحقيق، فظل يردد: “لا أستطيع سماعكم، لقد أخذتم معينات السمع الخاصة بي”. ويقول إن نحو ثلث رفاقه في تلك الرحلة نُقلوا إلى المستشفى فور وصولهم إلى الشاطئ.
أما كالوم بيرن، الناشط الأيرلندي على متن “كايت”، فيقول إنه غادر في 15 أبريل/نيسان 2026 واعترضته القوات الإسرائيلية في 29 من الشهر نفسه، على بعد أكثر من ألف كيلومتر من غزة غرب الجانب الشرقي من كريت. ويروي أنهم تعرضوا للركل والضرب وأُبقوا في أوضاع جسدية مؤلمة ومهينة، وأنه أُصيب بتمزق في أوتار كتفه بعدما أُلقي عليه وزن كامل أثناء النقل، ما خلّف بحسب روايته عجزاً دائماً في مدى حركة إحدى ذراعيه. وفي أسدود يقول إنهم أُجبروا على البقاء أربع ساعات على ركبهم وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم، قبل نقلهم إلى سجن النقب حيث أُجبروا على السير ورؤوسهم إلى الأسفل تحت التهديد بالصفع. ومع ذلك يرى أن ما مرّ به لا يقارَن بما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية.
كلفة تمتد إلى ما بعد الترحيل
يقول الدكتور فرانك رومانو، عضو تحالف أسطول الحرية والمحامي الدولي الذي مثّل قضايا فلسطينية أمام محكمة العدل الدولية، إن ناشطين بريطانيين فقدوا وظائفهم بسبب دفاعهم عن حقوق الفلسطينيين، وإن آخرين خسروا أعمالهم بعدما تجاوزت مشاركتهم في المهمات إجازاتهم المتاحة. ويقدّر ميزانية “أسطول الصمود العالمي”، المكوّن من نحو 75 قارباً في موجات مختلفة، بنحو 24 مليون دولار.
ورومانو نفسه مالك سفينة “حنظلة” التي سُمّيت تيمناً بشخصية الفنان الفلسطيني الراحل ناجي العلي، واعتُرضت واحتُجزت في يوليو/تموز 2025. ويقول إن القوات الإسرائيلية اعترضت واحتجزت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 أكثر من 75 سفينة ومركباً تضامنياً، وإن المعارك القانونية التي خاضها لم تسترد سوى سفينتين.
لماذا يعودون
تعود سوي أنغ، التي أمضت 44 عاماً في مناصرة القضية الفلسطينية، بذاكرتها إلى عام 1982 حين عملت جرّاحة متطوعة في مستشفى غزة بمخيم صبرا وشاتيلا في بيروت الغربية خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، فعايشت تداعيات المجزرة وشاهدت لاحقاً مقابرها الجماعية، وبدأ منها تحوّلها من الصهيونية إلى مناصرة الفلسطينيين. ومرّت بعد ذلك بتجربة اعتراض سفينة “العودة” عام 2018 وما رافقها في ميناء أسدود. وتقول إنها أصرّت رغم مرضها على وداع السفينة لأنها ربما لن تراها مجدداً، وإن القارب “قد لا يبلغ غزة، لكن حبنا وتضامننا كسرا الحصار فعلا”.
ويختصر جيليو المسألة في سؤال عن كلفة إنقاذ حياة إنسان، ويقول إنه سيكرر التجربة لأن “لا ثمن لإنقاذ حياة”. وتقول آيريس هايني، رئيسة فرع تحالف أسطول الحرية في بريطانيا، في رسالة، إن هذا الفعل “ليس موجها فقط ضد إسرائيل، بل ضد الحكومات المتواطئة التي تفشل جماعيا في الوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية”، وإن الرسالة إلى أهل غزة واضحة: “أنتم لستم وحدكم، ولن نتخلى عنكم أبدا”.
وتأتي الرحلة مع استمرار الحرب في غزة، والتوتر الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، والعملية البرية الإسرائيلية في لبنان. ويجمع المشاركون على القول: “لن نرهب.. مستمرون”.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار يورو عربي.
الرابط المختصر https://arabiceuro.net/?p=30678



